أبي حيان التوحيدي
244
المقابسات
59 مقابسة [ في أن الحس قد يحتد بالنفس الغضبية ] سمعت عيسى بن علي بن عيسى « 1 » يقول : لما كان الحس يحتد بالنفس الغضبية حتى ترى لصاحبه تعدى محسوسه بالحياة كرجل يتعرض للسيف والحرب ، والمقام الصعب ، ليفشو ذكره ، ويطير صيته ، ويعلو شأنه ، ويشار اليه بالأصابع ، ويتحدث بحديثه في المجامع . لم يكن للعقل أن يشرق بالحق ويستنير بالخير ، ويلتذ بالصدق ، ويتملى بالصواب ، وتستملى النفس عنه حقائق الموجودات ، ويشرف به على عواقب المطلوبات والمقصودات ، حتى يجد صاحبه تعدى معقوله بهذه الحياة المموهة الباطلة ، لينال حياة تامة كاملة دائمة خالدة لا إثم فيها ولا تبعة ولا كدر ولا مشقة . هي حدّة إلهيّة ، ونهاية عقلية ، وهيئة وجدية ، وحال ليس عليها بيان موصوف ، بلفظ مستور أو مكشوف « 2 » وتكلم بهذا عند حديث رواه في الوقت بعض الحاضرين : زعم أنه رأى رجلا قد ضربه السلطان بالسياط ، بالجناية ، وأنه كان يطاف به وهو عريان على جمل بين الاشهاد ، فبلغ مكانا وقف فيه الجمل لعارض ، فدنا منه صبي وشاوره بشيء ، فقام المضروب هذا على ظهر الجمل قائما وبسط يده على حائط كان إلى جانبه ثم سمرها بيده الأخرى بخنجر وبقي معلقا ، وعبر الجمل وهو كذلك ، فتعجب الناس من نفسه ومرارته ومن الامر الذي هجم به على ذلك وزينه في عينه ! فأفادنا بعقب هذا الحديث هذه الفائدة ومدارها على أن صاحب العقل الذي لحظ به الرتبة الكبرى ، وأشرف به على الغاية
--> ( 1 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 147 ( 2 ) في الأصل : وموصوف